الأربعاء، 25 يناير 2017

الإنسان في خرائط التيه



إن لم يكن هناك ما يقال، فلتقل ما لا يقال. بثينة العيسى
الرواية التي تنهيها، إلا أنك لا تغادرها بسهولة. القصة التي كلما قررت أن تغلقها لتستأنف حياتك تشعر أنك خنت مشاري، الصبي التائه، ووقفت في طريق البحث عنه، تود أنك لا تتوقف حتى تعثر أنت عليه وتنقذه، لأنك وباختصار لست مجرد قارئ للقصة، بل أنت جزء فعال منها.
كجزء من عملي البحثي تعودت أن أكتب مراجعات لكتب علمية وتخصصية، هذه المرة الأولى التي تجبرني رواية على مراجعتها. أعتقد أن حجم الوجع فيها أكبر مما أحتمل، لذا قررت أن أفرغ بعضاً منه على الورقة.
خرائط التيه للروائية الكويتية بثينة العيسى، رواية تتحدث عن طفل كويتي يضيع من أبويه في موسم الحج وتختطفه عصابة تتاجر بالأطفال، تتناول أبعاداً نفسية واجتماعية وسياسية مهمة، حساسة، وفي نفس الوقت مسكوت عنها!
النفس البشرية من أعقد الأنظمة التي يمكن تناولها، وأنت إذا أردت أن تكتب عنها ستشعر أن توغل في الضياع في وسط خارطة لا تحسن قراءتها رغم أنها تسكن فيك. الجانب النفسي الذي تطرقت له بثينة العيسى في روايتها عميق ومعبر عن الواقع، لقد نجحت في إبراز نوع العلاقة الإنسانية بالله، بعضنا كفيصل، الأب، الذي سأل نفسه: لماذا أدعو من لا يسمعني؟ فيصل كالتاجر الذي يترك ما لا يرجو الربعح منه، يترك العبادة بعدما سلبت منه نعمة، أليس بعضنا يتاجر في علاقته بربه؟! بعضنا الآخر كسمية، الأم التي تتعرف على الله بعدما فرغ المشهد من كل ما يشغلها "ابنها مشاري"، وهكذا نحن، لا نعرفه إلا عند الفقد والوجع، أو بعد إزاحة كل ما يشغلنا، تطوعاً أو قسراً. هل يفقد بعضنا صوت السماء عند المصائب، ويكرس الصوت/الإحساس عند بعضنا الآخر؟!.
على الجانب الآخر كانت شخصية نظام شجاع الدين المزارع الآسيوي، الذي لربما يمثل في جزء من يومه حياة الكثير منا، بيته الصغير يعبر بشكل صارخ عن تجاذبات النفس وتناقضاتها، على أحد الجدران صورة للكعبة يتجه لها حين يصلي، وعلى الجدار المناقض صور نساء عاريات يتوجه لهن حين.... . هذا هو الإنسان الذي لم يتعرف بعد على عقده، كاليوم في نهاره وليله، ساعة يضيء وهجاً وساعة أخرى شديد السواد وشديد الضياع!.
ومما يحسب لبثينة العيسى في خرائط التيه أنها فتحت ملفاً هاماً، سكت عنه السياسيون، والإعلاميون، جريمة ينبغي أن تتوقف على الفور إلا أنها باقية؛ جريمة المتاجرة بالبشر وبأعضائهم، استعباد الناس، هدر كراماتهم، وأكثر من ذلك الإبقاء على الملف الشائك للاستنفاع السياسي والمادي المقرف. الأسئلة المحيطة بالأمر كثيرة؛ لماذا ومن؟ إلا أن الإجابات شبه منعدمة، لأن الضحايا قليلون حظاً في نظر العالم، مختلفون لوناً، لا يكترث بهم إلا من كان له قلب، وحتى هذا لن تسعفه كل قواه ولو صرخ أن يحل جزءاً من هذه المشكلة، المصيبة.
طرقت هذه الرواية الكثير من الأبواب، أثارت وجعاً إنسانياً لا يصمت، لكنه تحت تأثير تفاصيل الحياة اليومية يخدر ويغفو.